روزبهان البقلي الشيرازي ( شطاح فارس )

72

عرائس البيان في حقائق القرآن

ولن يروا عزّا من طريق السنن إلى سبيل أهل اليقين بقوله : ثُمَّ جَعَلْناكُمْ خَلائِفَ فِي الْأَرْضِ مِنْ بَعْدِهِمْ لِنَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ : خلفاء الأرض نواب الأنبياء وورثة الرسل ، وهم أهل الاستقامة والتمكين والجمعية ، الذين يخاطبهم اللّه في كل نفس بلسان الولاية ، ويورثهم خطابه الآداب السنية ، والأعمال الزكية والأخلاق الكرامية ، والأسوة الحسنة ، ثم يورثهم هذه الأحكام بالأنس بالذكر ، والخوض في الفكر ، والسير بالقلوب في أنوار الغيوب ، والطيران بالأرواح في عالم الأفراح ، وإيواء الأسرار إلى سرادق المجد ، فيرون بعد ذلك في حضرة القدس مجالس الأنس ، ويشربون من بحار محبته ، ويشتاقون إلى لقائه ، ويعشقون بوجهه ، ويرونه لظهور الصفات وكشوف الذات كفاحا ، ويسمعون منه تعالى كلاما صرفا ، فيرجعون بعد ذلك إلى دعوة الخلق إلى اللّه بألسنة الموعظة ، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، وحفظ حدود اللّه عليهم . قال بعضهم : لم يزل الأنبياء لهم خلفاء ، والأولياء لهم خلفاء ، أبدلهم اللّه مكانهم ؛ ليروا السباقين سنتهم ، ويمسكوا على طريقتهم ، قال اللّه : ثُمَّ جَعَلْناكُمْ خَلائِفَ فِي الْأَرْضِ مِنْ بَعْدِهِمْ لِنَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ . [ سورة يونس ( 10 ) : آية 22 ] هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى إِذا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِها جاءَتْها رِيحٌ عاصِفٌ وَجاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنْجَيْتَنا مِنْ هذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ ( 22 ) [ تفسير الآية 22 ] قوله تعالى : هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ : ذكر اللّه سبحانه عجائب أحوال العارفين في هذه الآية ، أي : يسير نفوسكم في بر المجاهدات ، ويسير قلوبكم في بحر المشاهدات . وأيضا : يسير عقولكم في بر الآيات ، ويسير قلوبكم وأرواحكم في بحر الصفات والذات ، ثم وصف سير القلوب والأرواح في بحار الذات والصفات بقوله : حَتَّى إِذا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ : أي : في كنف الرعاية الأزلية ، ولولا ذلك الفلك كيف يجري الحدث في أنوار بحار القدم جرت القلوب في بحار الصفات بعناية الذات لا بها ؛ إذ هي في قبضة ملكة وملكوته ، وأصابع أنوار جبروته يقلبها بسفن قبضه في أنوار صفته ، وذلك قوله : وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ : ريح الكرم والعناية لسيرها بريح لطفه في بحار الازال والآباد ، وما أطيب مهب صبا وصاله في قلوب العاشقين والوامقين ، فأنشد : ألا يا نسيم الريح مالك * كلما تقربت منّا زاد نشرك طنينا